هل يوجد عمر رابع للأرشيف ؟

هل يوجد عمر رابع للأرشيف ؟

 

إعداد: عبد الكريم بجاجة

الترجمة إلى العربية: عزاللدين بوكحيل

http://www.alyaseer.net/vb/showthread.php?p=158918#post158918

 

Un quatrième âge pour les Archives?

Par Abdelkrim Badjadja

 

Publié en langue française en Algérie sur « Le temps d’Algérie » le 1er novembre 2014 -    http://en.calameo.com/read/00143300410c320562ca3

 

Publié en langue française au Québec le 2014/11/13  - 

« Convergence »  - Le blogue de l’Association des archivistes du Québec

https://archivistesqc.wordpress.com/2014/11/13/un-quatrieme-age-pour-les-archives/

 

Publié en langue française sur le site :

http://www.alterinfo.net/Un-quatrieme-age-pour-les-Archives_a108007.html

 

 

 لقد جرت العادة أن نتحدث عن "المراحل الثلاثة" للأرشيف منذ خمسينيات القرن الماضي، لما عرض خبير الأرشيف الأميركي ثيودور شالميرغ و لأول مرة " نظرية المراحل الثلاثة" في كتابه الذي يحمل عنوان " الأرشيف الحديث: المبادئ و التقنيات (1956):

 "Theodore R. Schellenberg" 1903-1970

وهكذا كنا نوصي بحفظ الأرشيف الجاري ذي الإستعمال اليومي، "العمر الأول"، في المكاتب. وكنا نوصي بأن يُحفظ الأرشيف الوسيط في قاعات مخصصة له  أي "العمر الثاني" والذي يمثل ذاكرة الهيئآت المنتجة، كما كنا نوصي في "العمر الثالث" أن يُحديد المصير النهائي للأرشيف بعد المرحلة الثانية : الإتلاف النهائي أو الحفظ الدائم في الأرشيف الوطني.

وتزامنا مع ظهور الأرشيف الإلكتروني بكميات هائلة، لم يعد، ولو نسبيا،  يوجد أي طائل من وراء هذه النظرية، و أحد أسباب ذلك يرجع لكون أنه في عهد الرقمنة لم تعد فضاءات الحفظ تطرح أي إشكال للحصول عليها، طالما أن قدرات التخزين الرقمي تتزايد كل يوم مع التطور الدائم للتكنولوجيا. غير أنه ينبغي علينا مواجهة مشاكل من نوع آخر تتعلق بهشاشة الأشكال ذات الطابع الرقمي عندما نريد حفظها على المدى الطويل، و هو ما سأتناوله في آخر هذا المقال.

قلت " نسبيا" لأن الأرشيف الورقي لا يزال يتكدس، خاصة، في البلدان التي تعرف تأخرا في الجانب التكنولوجي.  فالأمر لا يعني البتة أنه بإمكاننا الادعاء أننا أدركنا مرحلة  "إدارة بدون ورق" بمجرد تصوير الوثائق الورقية و إتلافها بعد رقمنتها.

فموضوع  مداخلتي يتعلق باحتمال وجود "عمر رابع" للأرشيف، سواء كان ذلك على الشكل التقليدي (الورق) أو الرقمي (إلكتروني). إنما يتعلق الأمر في واقع الحال بفترة إنضاج القرارات قبل إنتاج الوثائق أي كان شكلها: أي التخطيط للعمل الذي سيؤدي أو لا لإنتاج أرشيف عديم الجدوى يمكن للجميع الإستغناء عنه، سواء تعلق الأمر بالإدارات أو المواطنين،  فما بالك بمختصي الأرشيف. من منا يسعد باستقبال أطنان من الوثائق غير المهمة و هو يطرح على نفسه  سؤال التالي: " أين سأخزن هذه الوثائق التافهة."

لقد توليت منصب محافظ للأرشيف الجهوي بقسنطينة بين سنتي 1974 و 1991، وتكفلت بتسيير وثائق تاريخية (بكل عناية وبفرح وسرور)، كما تكفلت  بوثائق إدارية كثيرة  لم تكن ذي  فائدة تذكر، و هو ما يجعل القيام بذلك العمل دون نكهة تذكر. وأسوق على سبيل المثال الملفات الإدارية القانونية التي يكونها المواطنون بغرض الحصول على وثيقة ما كبطاقة التعريف، وجواز السفر، ورخصة الصيد ورخص حمل السلاح، والجواز الخاص بالحج، و القائمة طويلة وتتسبب في مشاق بالنسبة للمواطن الذي يتحتم عليه تقديم ما يطلب منه من وثائق.

ولنذكر ثلاث وثائق ضرورية لكافة الملفات تقريباً: شهادة ميلاد الأب، شهادة الجنسية، شهادة السوابق القضائية رقم 3. فالوثيقتان الأخيرتان غير مهمتان و لا تشكل المطالبة بتقديمهما  سوى  هدرا للوقت. فبغرض استخراج الجنسية من المحكمة، يتعين على المواطن تكوين ملف فرعي تشكل شهادة ميلاد الأب الوثيقة الأساسية فيه و التي نجدها في الملف الرئيسي. وما عسانا نقول عن إجبار المواطن على تقديم شهادة السوابق القضائية رقم 3، في الوقت الذي تقوم الإدارة بطلب من الشرطة تزويدها بشهادة السوابق القضائية رقم 2، والتي تعد أشمل من رقم 3، من المحكمة نفسها ؟

قام الأرشيفييون بتحرير ملاحظات بشأن الوثائق التي تطلب من المواطنين و التي هي مجرد تكرار لما طلب منهم من قبل و التي تسبب صداعا للرأس لا غير. أتذكر أنني جلبت انتباه السلطات المحلية حول الأكوام الهائلة من الملفات الإدارية المكدسة في  مخازننا دون فائدة، وأثبت لهم بالحجة الدامغة أن "حل مشكل حفظ الملفات الإدارية يعني تسوية نصف المشكل الخاص بأرشيف الإدارة بكاملها". لقد تم الإصغاء لما كنا نقول، ولم يعد يطلب من المواطن إحضار هاتين الوثيقتين. فالتخلي عن هاتين الوثيقتين يعني اقتصاد ملايين ألأوراق التي تصب في ملفات الملايين من المواطنين، ويعني أيضا إعفائهم من القيام بملايين الإجراءات الإدارية. فماذا يطلب الشعب أكثر من هذا؟

ولنذهب أبعد من ذلك ، و نتساءل لماذا يفرض على المواطن تشكيل ملف يحتوي على الوثائق نفسها بغرض أستخراج أوراق ثبوتية مختلفة؟ والنتيجة أننا نحفظ في إداراتنا حوالي عشر ملفات تعود لمواطن واحد وتحتوي على الوثائق نفسها. لقد قمت حينها باقتراح يرمي لتقديم المواطن لملف فريد يتيح له الحصول على جميع ألاوراق الثبوتية القانونية. وهذا يعني بصريح العبارة مهاجمة أسس البيروقراطية. أمر يستحيل  المساس به.

و في إطار محاربة البيروقراطية، هاهي الحكومة الجزائرية تتخذ، في سنة 2014، أجراءات تعفي المواطن من تقديم ملفات مختلفة للحصول على حق استخراج الوثائق القانونية:

-حذف 13 وثيقة إدارية يمثل أجراءا هاما أقره الوزير الأول. تطلب تلك الوثائق عادة بالرغم من عدم أهميتها و تم التخلص منها بمرسوم. 2

  • - إعطاء رقم تعريفي لجميع الجزائريين بغرض تعويض كافة الوثائق الإدارية. 3

عمل ممتاز! هي ملايين الأوراق غير المهمة و التي لم تعد تطلب من المواطن، أيوجد من سيشتكي من ذلك؟ لن يكون المواطن بكل تأكيد، ولا الأرشيفييون على أية حال.

و على العكس من ذلك يمكنني أن أذكر أيضا مثالا سلبيا لإدارة بلد أجنبي تفرض إحضار 11 نسخة من وثيقة واحدة ، دون أن يكون بوسع أي أحد تفسير المغزى من ذلك. بما في ذلك الشخص الذي وقع على هذه التعليمة! والغريب في الأمر أن هذا الطلب الغبي قد تم تطبيقه في بلدان أخرى تحت السيطرة الثقافية دون أن يثير ذلك الإجراء استنكار أي أحد باستثناء أنا !

يرجع الأمر في الأخير للأرشيفيين بحكم كونهم أحسن من يقدر قيمة الوثائق و قدرتهم على التدخل في بادئ الأمر للحيلولة دون إنتاج ملفات لا تهم أي أحد. أي أنه ينبغي أن يدمج الأرشيفييون في أفواج العمل المكلفة بالتفكير في نجاعة الأداء وتيسير الإجراءات العملية، مع تحديد الخفض من كمية الوثائق المنتجة كهدف ينبغي تحقيقه، وهذا ما اسميه "العمر الرابع للأرشيف" وهو في الواقع العمر 0 ( صفر) الذي يسبق انتاج الوثائق.

يستعمل الأرشيفييون حاليا وسيلة متاحة تتمثل في قائمة الوثائق المنتجة أو جدول التسيير، من أجل تحديد عمر الوثائق وأماكن حفظها. ينبغي أن تقوم هذه الجداول بالتحديد المسبق لمصير الوثائق المنتجة وشكلها، أي الشكل الورقي أو الإلكتروني.

وبحسب رأيي فإن جميع الملفات المراد حفظها إلى الأبد، كأرشيف أصحاب القرار، ينبغي أن يتم وفق الأشكال الثلاثة المتمثلة في الورق، والحفظ إلكتروني وفي الميكروفيلم. قد يندهش البعض من اللجوء لتقنيتي الحفظ الإلكتروني والميكروفيلم لحفظ أرشيف موجود في شكله الطبيعي و هو الورق. و أجيبكم أنني "محافظ" بما يحمل ذلك من معنى حقيقي ومجازي، ومن ثم فإنني لا أثق في الأشكال الرقمية الموجهة للحفظ على المدى الطويل، ولا يوجد غير الميكروفيلم الذي أثبت نجاعته في الحفظ لأكثر من مئة سنة، إذ لا تزال الأفلام المنتجة سنة 1895 صالحة بشرط توفر ظروف جيدة للحفظ والقيام بمتابعة منتظمة. أما الشكل الإلكتروني فقد ظهر خلال السبعينيات من القرن الماضي ولذلك أرى أنه ينبغي أن ننتظر إلى غاية سنة 2070 لنقرر هل سنثق فيه أم لا، وهل هو قادر على الحفظ على المدى الطويل. و ما هو أكيد أنني لن أتمكن من المشاركة في النقاش إذ أبلغ من العمر 70 سنة حاليا. لكنه توجد حاليا كاميرات سهلة الإستعمال، باستطاعتها توفير الحفظ  بشكلين

في الوقت نفسه، أي الحفظ بواسطة الميكروفيلم والحفظ الرقمي بوسيلة الكاميرة المزدوجة "Hybrid Camera". أيوجد ماهو إقتصادي

أكثر من هذا؟ بالطبع لا.

وماذا عسانا نقرره بشأن الأرشيف غير المعني بالحفظ غير الأبدي؟ ينبغي أن ننطلق من مبدئ استحسان عدم رقمنة هذه الوثائق،

وخاصة الوثائق التي ستتلف في أمد لا يتجاوز العشر سنوات.

  والمثال الأول الذي أود أن أسوقه هو أرشيف المحاسبة، إذ درست الإجراءتات التي تتعلق بمصير وثائق المحاسبة في دول عديدة

مثل: الجزائر، وفرنسا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة وأستراليا. لقد لاحظت إن أقصى مدة لحفظ ملفات المحاسبة في هذه الدول قد حددت بين ست وعشر سنوات، والسبب أن القوانين الخاصة بمراقبة صرف المال العام تحدد بعشر سنوات فترة مراجعة الحسابات

العامة. والخلاصة أن هذا الصنف من الوثائق ينبغي إتلافه بعد عشر سنوات من الحفظ دون رقمنته. (4)

تناولت في الدراسة المشار إليها مسألة المصير الذي نقرره للملفات الشخصية، وهنا ينبغي أن نأخذ في الحسبان سن الموظف بعد خروجه للتقاعد. لقد لاحظت أن الدول المذكورة  أعلاه تحفظ ملفات المستخدمين بين 70 و 125 سنة (سن الموظف المعني). والسؤال هل ينبغي

حفظ الملفات بعد تلك المدة؟ هل ينبغي رقمنتها؟ وجوابي هو بلا على كلا السؤالين.

يبقى علينا حل مشكل ملفات الموظفين الذي يجري عادة حفظها في نسختين: الملف الأصلي الذي تحتفظ به مصلحة الموظفين، ونسخة

توجد في المصلحة المالية لتبرير دفع الأجور. في رأيي ، ينبغي إتلاف الملف الثاني بالتزامن مع إتلاف أرشيف المحاسبة.

وخلاصة القول أنه ينبغي اعتماد سياسة "تنظيم ولادة الملفات" فيما يخص الأرشيف، عن طريق "منع الحمل-  Contraception

حتى نتجنب "ظهور الأرشيف غير المهم وغير المرغوب فيه".

 

  1. www.archivists.org/publications/epubs/ModernArchives-Schellenberg.pdf

 

  1. 13 وثيقة تم حذفها. إنه أكبر إجراء اتخذه الوزير الأول، إذ جرت العادة المطالبة بهذه الوثائق غير المهمة والتي تم التخلي عنها بمرسوم. يشكل هذا الأجراء تخفيفاً عن كاهل الجزائريين الذين يعانون من عبء الوثائق. هذه خطوة أولى اتخذتها الحكومة وتعد بمواصلة التخفيف من البيروقراطية.  http://www.h24algerie.com/lutte-la-bureaucratie-quest-ce-qui-va-changer-pour-les-algeriens/

 

  1. في إطار محاربة البيروقراطية التي تنخر جسم الإدارة الجزائرية، وبهدف تعويض الوثائق الإدارية، تحضر وزارة الداخلية والجماعات المحلية مشروع منح رقم تعريفي لكل جزائري.

http://www.algerie1.com/actualite/etat-civil-bientot-un-numero-didentification-a-chaque-algerien/

 

 (4) اقتراح "جدول حفظ الأرشيف"     Records Schedule  -

http://www.alyaseer.net/vb/showthread.php?t=37779

  

 

 

 

×